فصل: تفسير الآية رقم (2)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


سورة يونس

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي بمنزلة الأعداد المسرودة، لا محل لها من الإعراب، ولا يُنطق بها إلا على حال السكت، وحالُ السكت يعامَل معاملة الوقف، فلذلك لا يُمد اسم رَا في الآية، وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف الهمزة كما تحذف في الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت، فبذلك تصير الكلمة على حرفين فلا تمد‏.‏ ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف‏:‏ را‏.‏ ها‏.‏ يا‏.‏ طا‏.‏ حا‏.‏ التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة‏.‏

اسم الإشارة يجوز أن يكون مراداً به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم، فكأنها منظورة مشاهدة، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها‏.‏

واسمُ الإشارة يُفسر المقصودَ منه خبرُه وهو ‏{‏آيات الكتاب الحكيم‏}‏ كما فسره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهذا يومُ البعث‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 56‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال هذا فراقُ بيني وبينك‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 78‏]‏‏.‏ قال في «الكشاف»‏:‏ تصَوَّر فراقاً بينهما سيقع قريباً فأشار إليه بهذا‏.‏

وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 88‏]‏‏.‏ فالمقصود من الإشارة إما الحث على النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند الله ويعلموا صدق من جاءهم به‏.‏ وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي بآيات الكتاب الحكيم فإنهم يسألون النبي آيةً على صدقه، كما دل عليه قوله في هذه السورة ‏[‏يونس‏:‏ 15‏]‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتتِ بقرآن غير هذا أو بَدله‏}‏ فقيل لهم ‏{‏تلك آيات الكتاب الحكيم‏}‏، أي ما هو آية واحدة بل آيات كثيرة، فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه‏.‏

ولأنه اشتمل على الحقائق السامية والهدى إلى الحق والحكمة؛ فرجل أمي ينشأ في أمة جاهلة يجيء بمثل هذا الهدى والحكمة لا يكون إلا موحى إليه بوحي إلهي، كما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارْتاب المبطلون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وعليه فاسم الإشارة مبتدأ و‏{‏آيات‏}‏ خبره‏.‏ وإضافة ‏{‏آيات‏}‏ إلى ‏{‏الكتاب‏}‏ إضافة شبيهة بالبيانية وإن كان الكتاب بمنزلة الظرف للآيات باختلاف الاعتبار، وهو معنى الإضافة البيانية عند التحقيق‏.‏

ويجوز أن تجعل الإشارة ب ‏{‏تلك‏}‏ إلى حروف ‏{‏ألر‏}‏ لأن المختار في الحروف المقطعة في فواتح السور أن المقصود من تعدادها التحدي بالإعجاز، فهي بمنزلة التهجي للمتعلم‏.‏

فيصح أن يجعل ‏(‏ألر‏)‏ في محل ابتداء ويكون اسم الإشارة خبراً عنه‏.‏ والمعنى تلك الحروف آيات الكتاب الحكيم، أي من جنسها حروف الكتاب الحكيم، أي جميع تراكيبه من جنس تلك الحروف‏.‏

والمقصود تسجيل عجزهم عن معارضته بأن آيات الكتاب الحكيم كلها من جنس حروف كلامهم فما لكم لا تستطيعون معارضتها بمثلها إن كنتم تكذّبون بأن الكتاب منزل من عند الله، فلولا أنه من عند الله لكان اختصاصه بهذا النظم المعجز دون كلامهم محالاً إذ هو مركب من حروف كلامهم‏.‏

والكتاب‏:‏ القرآن‏.‏ فالتعريف فيه للعهد‏.‏ ويجوز جعل التعريف دالاً على معنى الكمال في الجنس، كما تقول‏:‏ أنتَ الرجل‏.‏

والحكيم‏:‏ وصف إما بمعنى فاعل، أي الحاكم على الكتب بتمييز صحيحها من محرفها، مثل قوله‏:‏ ‏{‏ومُهيمِناً عليه‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏‏.‏

وإما بمعنى مُفعَل بفتح العين، أي مُحكَم، مثل عَتِيد، بمعنى مُعَد‏.‏

وإما بمعنى ذي الحِكمة لاشتماله على الحكمة والحق والحقائق العالية، إذ الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعمل فوُصف بوصف ذي الحكمة من الناس على سبيل التوسع الناشئ عن البليغ كقول الأعشى‏:‏

وغريبةٍ تأتي الملوك حَكِيمة *** قد قلتُها ليقال مَن ذَا قالها

وإما أن يكون وُصِفَ بوصف منزّله المُتكلم به، كما مشَى عليه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 1، 3‏]‏

واختيار وصف ‏{‏الحكيم‏}‏ من بين أوصاف الكمال الثابتة للقرآن؛ لأن لهذا الوصف مزيد اختصاص بمقام إظهار الإعجاز من جهة المعنى بعد إظهار الإعجاز من جهة اللفظ بقوله‏:‏ ‏{‏الر تلك آيات الكتاب الحكيم‏}‏، ولِما اشتملت عليه السورة من براهين التوحيد وإبطال الشرك‏.‏

وإلى هذا المعنى يشير قوله بعد هذا‏:‏ ‏{‏قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون‏}‏ ‏[‏يونس 16‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين ءامنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ‏}‏

الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة ‏{‏تلك آيات الكتاب الحكيم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 1‏]‏ بما فيها من إبهام الداعي إلى التوقف على آيات الكتاب الحكيم تثير سؤالاً عن ذلك الداعي فجاءت هذه الجملة تبيّن أن وجه ذلك هو استبعاد الناس الوحي إلى رجل من الناس استبعادَ إحالة‏.‏ وجاءت على هذا النظم الجامع بين بيان الداعي وبين إنكار السبب الذي دَعا إليه وتجهيل المتسببين فيه، ولك أن تجعله استئنافاً ابتدائياً، لأنه مبدأ الغرض الذي جاءت له السورة، وهو الاستدلال على صدق الرسول وإثبات البعث‏.‏

فالهمزة للاستفهام المستعمل في الإنكار، أي كيف يتعجبون من ذلك تعجب إحالة‏.‏

وفائدة إدخال الاستفهام الإنكاري على ‏(‏كان‏)‏ دون أن يقال‏:‏ أعجِبَ الناسُ، هي الدلالة على التعجيب من تَعَجُّبهم المراد به إحالة الوحي إلى بَشر‏.‏

والمعنى‏:‏ أحدث وتقرر فيهم التعجب من وحينا، لأن فعل الكون يشعر بالاستقرار والتمكن فإذا عبر به أشعَرَ بأن هذا غير متوقَّع حصوله‏.‏

و ‏{‏للناس‏}‏ متعلق ب ‏{‏كَان‏}‏ لزيادة الدلالة على استقرار هذا التعجب فيهم، لأن أصل اللام أن تفيد الملك، ويستعار ذلك للتمكن، أي لتمكن الكون عجباً من نفوسهم‏.‏

و ‏{‏عَجباً‏}‏ خبر ‏{‏كان‏}‏ مقدم على اسمها للاهتمام به لأنه محل الإنكار‏.‏

و ‏{‏أنْ وأحينا‏}‏ اسم كان، وجيء فيه ب ‏(‏أنْ‏)‏ والفعل دون المصدر الصريح وهو وَحْينا ليتوسل إلى ما يفيده الفعل من التجدد وصيغة المضي من الاستقرار تحقيقاً لوقوع الوحي المتعجب منه وتجدده وذلك ما يزيدهم كمداً‏.‏

والعجب‏:‏ مصدر عَجِب، إذا عَدَّ الشيءَ خارجاً عن المألوف نادر الحصول‏.‏ ولما كان التعجب مبدأ للتكذيب وهم قد كذبوا بالوحي إليه ولم يقتصروا على كونه عجيباً جاء الإنكار عليهم بإنكار تعجبهم من الإيحاء إلى رجل من البشر لأن إنكار التعجب من ذلك يؤول إلى إنكار التكذيب بالأوْلى ويَقلع التكذيب من عروقه‏.‏

ويجوز أن يكون العجب كناية عن إحالة الوقوع، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالت يا ويْلتي أألِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله‏}‏ في سورة ‏[‏هود‏:‏ 72، 73‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم‏}‏ في سورة ‏[‏الأعراف‏:‏ 63‏]‏‏.‏ وكانت حكاية تعجبهم بإدماج ما يفيد الرد عليهم بأن الوحي كانَ إلى رجل من الناس وذلك شأن الرسالات كلها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحى إليهم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 43‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 9‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 95‏]‏‏.‏

وأطلق ‏{‏الناس‏}‏ على طائفة من البشر، والمراد المشركون من أهل مكة لأنهم المقصود من هذا الكلام‏.‏

وهذا الإطلاق مثل ما في قوله‏:‏ ‏{‏إن الناس قد جمعوا لكم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏ وعن ابن عباس أنكرت طائفة من العرب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ الله أعظم من أن يكون له رسول بشراً، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏}‏‏.‏

و ‏{‏أن‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏أن أنذر الناس‏}‏ تفسيرية لفعل ‏{‏أوحينا‏}‏ لأن الوحي فيه معنى القول‏.‏

و ‏{‏الناس‏}‏ الثاني يعم جميع البشر الذين يمكن إنذارهم، فهو عموم عرفي‏.‏ ولكون المراد ب ‏{‏الناس‏}‏ ثانياً غير المراد به أولَ ذُكر بلفظه الظاهر دون أن يقال‏:‏ أن أنذرهم‏.‏

ولما عطف على الأمر بالإنذار الأمرُ بالتبشير للذين آمنوا بقي ‏{‏الناس‏}‏ المتعلق بهم الإنذار مخصوصاً بغير المؤمنين‏.‏

وحذف المنذر به للتهويل، ولأنه يُعلم حاصله من مقابلته بقوله‏:‏ ‏{‏وبشر الذين آمنوا أن لهم قَدَم صدق‏}‏، وفعل التبشير يتعدى بالباء، فالتقدير‏:‏ وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق، فحذف حرف الجر مع ‏(‏أنَّ‏)‏ جرياً على الغالب‏.‏

والقَدم‏:‏ اسم لما تَقدم وسلَف، فيكون في الخير والفضل وفي ضده‏.‏ قال ذو الرمة‏:‏

لكم قَدم لا ينكِر الناس ألها *** مع الحَسَب العادِيّ طَمَّت على البحر

وذكر المازري في «المُعْلم» عن ابن الأعرابي‏:‏ أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة‏.‏ وهو فَعَل بمعنى فاعل مثل سلَف وثَقَل‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم‏:‏ ‏"‏ حتى يضع رب العزة فيها قَدَمه فتقول قط قط ‏"‏ يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبيء الله صلى الله عليه وسلم ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة ‏(‏وفي رواية الجبار‏)‏ فيها قدمه فتقول قط قط، وعزتك‏.‏ ويُزوَى بعضُها إلى بعض‏.‏ وهذا أحد تأويلين لمعنى «قَدمه»‏.‏ وأصل ذلك في «المُعلم على صحيح مسلم» للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل‏.‏

والمراد ب ‏{‏قدم صدق‏}‏ في الآية قدم خَير، وإضافة ‏{‏قدم‏}‏ إلى ‏{‏صِدق‏}‏ من إضافة الموصوف إلى الصفة‏.‏ وأصله قدمٌ صِدقٌ، أي صادق وهو وصف بالمصدر‏:‏ فعلى قول الجمهور يكون وصف ‏{‏صدق‏}‏ ل ‏{‏قدم‏}‏ وصفاً مقيِّداً‏.‏ وعلى قول ابن الأعرابي يكون وصفاً كاشفاً‏.‏

والصدق‏:‏ موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد، واشتهر في مطابقة الخَبر‏.‏ ويضاف شيء إلى ‏(‏صدق‏)‏ بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله‏:‏ ‏{‏ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 90‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 55‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أن أنذر الناس‏}‏ تفسير لفعل ‏{‏أوحينا‏}‏‏.‏ وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم‏.‏ وإيضاً في ذكر المفسِّر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية‏.‏

‏{‏قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لساحر مُّبِينٌ‏}‏

هذه الجملة بدل اشتمال من جملة‏:‏ ‏{‏أكان للناس عجباً‏}‏ الخ‏.‏ ووجه هذا الإبدال أن قولهم هذا ينبئ عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول‏:‏ ‏{‏إن هذا لسحر مبين‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 76‏]‏ أو ‏{‏إن هذا لساحِر مبين‏}‏ فاسم الإشارة راجع إلى ما تضمنته جملة ‏{‏أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا‏}‏‏.‏

وقرأه الجمهور «لسِحْر» بكسر السين وسكون الحاء على أن المراد به الحاصل بالمصدر، أي أن هذا الكلام كلام السحرِ، أي أنه كلام يُسحر به‏.‏ فقد كان من طرق السحر في أوهامهم أن يقول الساحر كلاماً غير مفهوم للناس يوهمهم أن فيه خصائص وأسماء غير معروفة لغير السحرة، فالإشارة إلى الوحي‏.‏

وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ‏{‏لسَاحر‏}‏ فالإشارة إلى رجل من قوله‏:‏ ‏{‏إلى رجل منهم‏}‏ وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإن وصفهم إياه بالسحر ينبئ بأنهم كذبوا بكونه من عند الله ولم يستطيعوا أن يدعوه هذياناً وباطلاً فهرعوا إلى ادعائه سِحراً، وقد كان من عقائدهم الضالة أن من طرائق السحر أن يقول الساحر أقوالاً تستنزل عقول المسحورين‏.‏ وهذا من عجزهم من الطعن في القرآن بمطاعن في لفظه ومعانيه‏.‏

والسحر‏:‏ تخييل ما ليس بكائن كائناً‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يعلمون الناس السحر‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏‏.‏

والمبين‏:‏ اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان، أي ظهر، أي سحر واضح ظاهر‏.‏ وهذا الوصف تلفيق منهم وبهتان لأنه ليس بواضح في ذلك بل هو الحق المبين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

استئناف ابتدائي للاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية‏.‏ وإنما أوقع هنا لأن أقوى شيء بَعثَ المشركين على ادعاء أن ما جاء به النبي سحر هو أنه أبطل الشركاء لله في الإلهية ونفاها عن آلهتهم التي أشركوا بها فقالوا‏:‏ ‏{‏أجعل الآلهةَ إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 5‏]‏ فلا جرم أن أعقب إنكار إحالتهم ذلك بإقامة الدليل على ثبوته‏.‏

والخطاب للمشركين، ولذلك أكد الخبر بحرف التوكيد، وأوقع عقبه ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 2‏]‏، فهو التفات من الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏أكَانَ للناس عجباً وقوله قال الكافرون‏}‏‏.‏ وقد مضى القول في نظير صدر هذه الآية في سورة الأعراف إلى قوله‏:‏ ‏{‏ثم استوى على العرش‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ خبر ‏{‏إن‏}‏، كما دل عليه قوله بعده‏:‏ ‏{‏ذالكم الله ربكم فاعبدوه‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏يدبر الأمر‏}‏ في موضع الحال من اسم الجلالة، أو خبر ثان عن ‏{‏ربكم‏}‏‏.‏

والتدبير‏:‏ النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما تقصد له محمودةَ العاقبة‏.‏

والغاية من التدبير الإيجاد والعملُ على وفق ما دُبر‏.‏ وتدبير الله الأمور عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ اللغوية بتقريب إتقان الخلق‏.‏

والأمر‏:‏ جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم‏.‏ وتقدم في قوله ‏{‏وقلَّبوا لك الأمور‏}‏ في سورة ‏[‏براءة‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وفي إجراء هذه الصفات على الله تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يخلُقون شيئاً وهم يخلقون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 20‏]‏‏.‏ ولذلك حسن وقع جملة ‏{‏ما من شفيع إلا من بعد إذنه‏}‏ عقب جملة‏:‏ ‏{‏الذي خلق‏}‏ بتمامها، لأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون‏:‏ ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏، أي حُماتنا من غضبه‏.‏ فبعد أن وُصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نُفِي عن آلهتهم وصْف الشفاعة عند الله وحماية المغضوب عليهم منه‏.‏

وأكد النفي ب ‏{‏من‏}‏ التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت ‏(‏من‏)‏ على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية‏.‏

وزيادة ‏{‏إلاّ مِنْ بعد إذنه‏}‏ احتراس لإثبات شفاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم بإذن الله، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يشفعون إلا لمن ارتضى‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 28‏]‏‏.‏ والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية، فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده‏.‏ والشفاعة تقدمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يقبل منها شفاعة‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 48‏]‏‏.‏ وكذلك الشفيع تقدم عند قوله‏:‏ ‏{‏فهل لنا من شفعاء‏}‏ في سورة ‏[‏الأعراف‏:‏ 53‏]‏‏.‏

وموقع جملة‏:‏ ما من شفيع‏}‏ مثل موقع جمله‏:‏ ‏{‏يدبر الأمر‏}‏‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏ذلكم الله ربكم‏}‏ ابتدائية فذلكةٌ للجمل التي قبلها ونتيجة لها، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعَة عليها، وهي جملة‏:‏ ‏{‏فاعبدوه‏}‏، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله‏}‏‏.‏

والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز، لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالاً مبيناً، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها، فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرفَ المطلق مستحقٌ للعبادة نظير الإشارة في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏ بعد قوله‏:‏ ‏{‏للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله‏:‏ هم يوقنون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2 4‏]‏‏.‏

وفُرّع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته، والمفرَّعُ هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله‏}‏ تأكيداً بفذلكة وتحصيل‏.‏ والتقديرُ‏:‏ إن ربكم الله إلى قوله‏:‏ ‏{‏فاعبدوه‏}‏، كقوله‏:‏ ‏{‏قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحُوا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 58‏]‏ إذ وقع قوله ‏(‏فبذلك‏)‏ تأكيداً لجملة بفضل الله وبرحمته‏.‏ وأوقع بعده الفرع وهو ‏(‏فليفرحوا‏)‏‏.‏ والتقدير‏:‏ قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك‏.‏

والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏أفلا تذَّكَّرون‏}‏ ابتدائية للتقريع‏.‏ وهو غرض جديد، فلذلك لم تعطف، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذْ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها‏.‏

والتذكُّر‏:‏ التأمل‏.‏ وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته، أي حركته في معلوماته، فهو قريب من التفكر؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقاً من مادة الذكر التي هي في الأصل جريَان اللفظ على اللسان، والتي يعبر بها أيضاً عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعراً بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل‏.‏

فلذلك أوثر هنا دون ‏{‏لعلكم تتفكرون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 219‏]‏ للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقررَ في النفوس بالفطرة، وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذاراً وتبشيراً، فالجملة كالدليل على وجوب عبادته، وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقاً ثانياً‏.‏ ومما يشير إلى هذا قوله‏:‏ ‏{‏إنه يبدأ الخلق ثم يعيده‏}‏، فبَدء الخلق هو ما سبق ذكره، وإعادتُه هي ما أفاده قوله‏:‏ ‏{‏إليه مرجعكم جميعاً‏}‏ ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من شبه كمال الاتصال، على أنها يجوز كونها خبراً آخر عن قوله‏:‏ ‏{‏إن ربكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏، أو عن قوله‏:‏ ‏{‏ذلكم الله ربكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏‏.‏

وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبيءَ صلى الله عليه وسلم لأجله‏.‏

وفي تقديم المجرور في قوله‏:‏ ‏{‏إليه مرجعكم‏}‏ إفادة القصر، أي لا إلى غيره، قطعاً لمطامع بعضهم القائلين في آلهتهم ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏ يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء، فإذا كان الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقاً بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلاً‏.‏

والمرجع‏:‏ مصدر ميمي بمعنى الرجوع‏.‏ وقد تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون‏}‏ في سورة ‏[‏العقود‏:‏ 105‏]‏‏.‏

و ‏{‏جميعاً‏}‏ حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه‏.‏

وانتصب ‏{‏وعدَ الله‏}‏ على المفعولية المطلقة توكيداً لمضمون الجملة المساوية له، ويسمى موكِّداً لنفسه في اصطلاح النحاة، لأن مضمون ‏{‏إليه مرجعكم‏}‏ الوعد بإرجاعهم إليه وهو مفاد وعد الله، ويقدر له عامل محذوف لأن الجملة المؤكدة لا تصلح للعمل فيه‏.‏ والتقدير‏:‏ وعدَكم اللّهُ وعداً حقاً‏.‏

وانتصب ‏{‏حقاً‏}‏ على المفعولية المطلقة المؤكدة لمضمون جملة ‏{‏وعد الله‏}‏ باعتبار الفعل المحذوف‏.‏ ويسمى في اصطلاح النحاة مؤكداً لغيره، أي موكداً لأحد معنيين تحتملهما الجملة المؤكدة‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إنه يبدأ الخلق‏}‏ واقعة موقع الدليل على وقوع البعث وإمكانه بأنه قد ابتدأ خلق الناس، وابتداء خلقهم يدل على إمكان إعادة خلقهم بعد العدم، وثبوت إمكانه يدفع تكذيب المشركين به، فكان إمكانه دليلاً لقوله‏:‏ ‏{‏إليه مرجعكم جميعاً‏}‏، وكان الاستدلال على إمكانه حاصلاً من تقديم التذكير ببدء خلق السماوات والأرض كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 27‏]‏‏.‏

وموقع ‏(‏إن‏]‏ تأكيد الخبر نظراً لإنكارهم البعث، فحصل التأكيد من قوله‏:‏ ‏{‏ثم يعيده‏}‏ أما كونه بدأ الخلق فلا ينكرونه‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏إنه يبدأ الخلق‏}‏ بكسر همزة ‏(‏إنه‏)‏‏.‏ وقرأه أبو جعفر بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل محذوفة، أي حق وعده بالبعث لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده فلا تعجزه الإعادة بعد الخلق الأول، أو المصدر مفعول مطلق منصوب بما نصب به ‏{‏وعْدَ الله‏}‏ أي وَعَدَ الله وعداً بَدْءَ الخلق ثم إعادته فيكون بدلاً من ‏{‏وعْد الله‏}‏ بدلاً مطابقاً أو عطف بيان‏.‏

ويجوز أن يكون المصدر المنسبك من ‏(‏أنَّ‏)‏ وما بعدها مرفوعاً بالفعل المقدر الذي انتصب ‏(‏حقاً‏)‏ بإضماره‏.‏ فالتقدير‏:‏ حَقَّ حقاً أنه يبدأ الخلق، أي حق بدؤه الخلق ثم إعادته‏.‏

والتعليل بقوله‏:‏ ‏{‏ليجزى الذين آمنوا‏}‏ الخ إبداءٌ لحكمة البعث وهي الجزاء على الأعمال المقترفة في الحياة الدنيا، إذ لو أرسل الناس على أعمالهم بغير جزاء على الحسن والقبيح لاستوى المُحسن والمسيء، وربما كان بعضُ المسيئين في هذه الدنيا أحسن فيها حالاً من المحسنين‏.‏ فكان من الحكمة أن يلقَى كل عامل جزاء عمله‏.‏ ولم يكن هذا العالم صالحاً لإظهار ذلك لأنه وُضع نظامه على قاعدة الكون والفساد، قابلاً لوقوع ما يخالف الحق ولصرف الخيرات عن الصالحين وانهيالِها على المفسدين والعكس لأسباب وآثار هي أوفق بالحياة المقررة في هذا العالم، فكانت الحكمة قاضية بوجود عالم آخر متمحض للكون والبقاء وموضوعاً فيه كل صنف فيما يليق به لا يعدوه إلى غيره إذ لا قبل فيه لتصرفات وتسببات تخالف الحق والاستحقاق‏.‏ وقدم جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لشرفه ولياقته بذلك العالم، ولأنهم قد سلكوا في عالم الحياة الدنيا ما خلق الله الناس لأجله ولم يتصرفوا فيه بتغليب الفساد على الصلاح‏.‏

والباء في ‏{‏بالقسط‏}‏ صالحة لإفادة معنى التعدية لفعل الجزاء ومعنى العِوض‏.‏ والقسط‏:‏ العدل‏.‏ وهو التسوية بين شيئين في صفة والجزاء بما يساوي المجْزي عليه‏.‏ وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏قائماً بالقسط‏}‏ في أول ‏[‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏‏.‏ فتفيد الباء أنهم يُجزون بما يعادل أعمالهم الصالحة فيكون جزاؤهم صلاحاً هنالك وهو غاية النعيم، وأن ذلك الجزاء مكافاة على قسطهم في أعمالهم في عَدلهم فيها بأن عملوا ما يساوي الصلاح المقصود من نظام هذا العالم‏.‏

والإجمال هنا بين معنيي الباء مفيد لتعظيم شأن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع الإشارة إلى أنه جزاء مماثل لصلاح أعمالهم‏.‏

وإنما خص بذلك جزاء المؤمنين مع أن الجزاء كله عدل، بل ربما كانت الزيادة في ثواب المؤمنين فضلاً زائداً على العدل لأمرين‏:‏ أحدهما‏:‏‏}‏ تأنيس المؤمنين وإكرامهم بأن جزاءهم قداستحقوه بما عملوا، كقوله‏:‏ ‏{‏ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 32‏]‏‏.‏ ومن أعظم الكرم أن يُوهم الكريم أن ما تفضل به على المكرَم هو حقه وأن لا فضل له فيه‏.‏

الأمر الثاني‏:‏ الإشارة إلى أن جزاء الكافرين دون ما يقتضيه العدل، ففيه تفضل بضرب من التخفيف لأنهم لو جُوزوا على قدر جُرمهم لكان عذابهم أشد، ولأجل هذا خولف الأسلوب في ذكر جزاء الذين كفروا فجاء صريحاً بما يعم أحوال العذاب بقوله‏:‏ ‏{‏لهم شراب من حميم وعذاب أليم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 70‏]‏‏.‏ وخص الشراب من الحميم بالذكر من بين أنواع العذاب الأليم لأنه أكره أنواع العذاب في مألوف النفوس‏.‏ ‏{‏أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون‏}‏

في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 70‏]‏‏.‏ والباء في قوله‏:‏

وشراب الحميم تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما كانوا يكفرون‏}‏ للعِوض‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏والذين كفروا‏}‏ إلى آخرها استئناف بياني لأنه لما ورد ذكر جزاء المؤمنين على أنه العلة لرجوع الجميع إليه ولم يذكر في العلة ما هو جزاء الجميع لا جرم يتشوف السامع إلى معرفة جزاء الكافرين فجاء الاستئناف للإعلام بذلك‏.‏

ونكتة تغيير الأسلوب حيث لم يعطف جزاء الكافرين على جزاء المؤمنين فيقال‏:‏ ويَجزي الذين كفروا بعذاب الخ كما في قوله‏:‏ ‏{‏لينذر بأساً شديداً من لدنه ويُبشر المؤمنين‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 2‏]‏ هو الإشارة إلى الاهتمام بجزاء المؤمنين الصالحين وأنه الذي يبادر بالإعلام به وأن جزاء الكافرين جدير بالإعراض عن ذكره لولا سؤال السامعين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

هذا استئناف ابتدائي أيضاً، فضمير ‏(‏هو‏)‏ عائد إلى اسم الجلالة في قوله‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وهذا استدلال آخر على انفراده تعالى بالتصرف في المخلوقات، وهذا لون آخر من الاستدلال على الإلهية ممزوج بالامتنان على المحجوجين به لأن الدليل السابق كان متضمناً لِعظيم أمر الخلق وسعة العلم والقدرة بذكر أشياء ليس للمخاطبين حظ في التمتع بها‏.‏ وهذا الدليل قد تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتهما تقديراً مضبوطاً ألهم الله البشر للانتفاع به في شؤون كثيرة من شؤون حياتهم‏.‏

فجَعْلُ الشمسسِ ضياء لانتفاع الناس بضيائها في مشاهدة ما تهمهم مشاهدته بما به قوام أعمال حياتهم في أوقات أشغالهم‏.‏ وجَعْل القمر نوراً للانتفاع بنوره انتفاعاً مناسباً للحاجة التي قد تعرض إلى طلب رؤية الأشياء في وقت الظلمة وهو الليل‏.‏ ولذلك جُعل نوره أضعف ليُنتفع به بقدر ضرورة المنتفع، فمن لم يضطرَّ إلى الانتفاع به لا يشعرُ بنوره ولا يصرفه ذلك عن سكونه الذي جُعل ظلام الليل لحصوله، ولو جعلت الشمس دائمة الظهور للناس لاستووا في استدامة الانتفاع بضيائها فيشغلهم ذلك عن السكون الذي يستجدون به ما فتر من قواهم العصبية التي بها نشاطُهم وكمالُ حياتهم‏.‏

والضياء‏:‏ النور الساطع القوي، لأنه يضيء للرائي‏.‏ وهو اسم مشتق من الضوء، وهو النور الذي يوضح الأشياء، فالضياء أقوى من الضوء‏.‏ ويَاء ‏(‏ضياء‏)‏ منقلبة عن الواو لوقوع الواو إثر كَسرة الضاد فقلبت ياء للتخفيف‏.‏

والنور‏:‏ الشعاع، وهو مشتق من اسم النار، وهو أعم من الضياء، يصدق على الشعاع الضعيف والشعاع القوي، فضياء الشمس نور، ونور القمر ليس بضياء‏.‏ هذا هو الأصل في إطلاق هذه الأسماء، ولكن يكثر في كلام العرب إطلاق بعض هذه الكلمات في موضع بعض آخر بحيث يَعسر انضباطه‏.‏ ولما جعل النور في مقابلة الضياء تعين أن المراد به نورٌ مَّا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ضياء‏}‏ و‏{‏نوراً‏}‏ حالان مشيران إلى الحكمة والنعمة في خلقهما‏.‏ والتقدير‏:‏ جعل الأشياء على مِقدار عنْد صُنعها‏.‏

والضمير المنصوب في ‏(‏قَدَّره‏)‏‏:‏ إما عائد إلى النور فتكون المنازل بمعنى المراتب، وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس نيراً من كُرة القمر، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 39‏]‏‏.‏ أي حتى نقص نوره ليلةً بعد ليلة فعاد كالعرجون البالي‏.‏ ويكون ‏{‏منازل‏}‏ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ‏{‏قدَّره‏}‏ فهو ظرف مستقر، أي تقديراً على حسب المنازل، فالنور في كل منزلة لَه قدَر غير قدره الذي في منزلة أخرى‏.‏ وإما عائد إلى ‏(‏القمر‏)‏ على تقدير مضاف، أي وقدر سيره، فتكون ‏{‏منازل‏}‏ منصوباً على الظرفية‏.‏

والمنازل‏:‏ جمع منزل؛ وهو مكان النزول‏.‏ والمراد بها هنا المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر‏.‏ وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ليَالي الشهر القمري‏.‏ وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي سُمُوت يلوح للناس القمرُ كل ليلة في سَمْت منها، كأنه ينزل بها‏.‏ وقد رَصدها البشر فوجدوها لا تختلف‏.‏

وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام إلا بصنع الخالق الحكيم‏.‏

وهذه المنازل أماراتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف، فوضع العلماء السابقون لها أسماء‏.‏ وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها في الطلوع عند الفجر في فصُول السنة‏.‏ والعرب يبْتدئون ذِكرها بالشَرَطَاننِ وهكذا، وذلك باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل، فأول ليلة من ليالي الهلال للشَّرَطان وهكذا‏.‏ وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول السنة الشمسية‏.‏ وهي‏:‏ العَوَّاء، السِّمَاك الاعْزل، الغَفْر، الزُّبَاني، الإكليل، القَلْب، الشَّوْلَةَ، النَعَائم، البَلْدَة، سَعْد الذَّابححٍ، سَعْدُ بَلَع، سَعْد السُّعود، سَعْد الأخْبِيَة، الفَرْغ الأعلى، الفَرْغ الأسفل، الحُوت، الشَّرَطَاننِ، البُطَيْن، الثُّرَيَّا، الدَّبَران، الهَقْعَة، الهَنْعَة، ذِرَاع الأسَد، النَّشْرَة، الطَّرْف، الجَبْهَة، الزُّبْرَة، الصَّرْفَة‏.‏

وهذه المنازل منقسمة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول السنة، فلكل برج من الاثني عشر بُرجاً مَنزلتان وثُلُث، وهذا ضابط لمعرفة نجومها ولا علاقة له باعتبارها مَنازل للقمر‏.‏

وقد أنبأنا الله بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين والحساب، أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر‏.‏

والحساب‏:‏ مصدر حسب بمعنى عد‏.‏ وهو معطوف على ‏{‏عدد‏}‏، أي ولتعلموا الحساب‏.‏ وتعريفه للعهد، أي والحساب المعروف‏.‏ والمراد به حساب الأيام والأشهر لأن حساب السنين قد ذكر بخصوصه‏.‏ ولما اقتصر في هذه الآية على معرفة عدد السنين تعين أن المراد بالحساب حساب القمر، لأن السنة الشرعية قمرية، ولأن ضمير ‏{‏قدره‏}‏ عائد على ‏{‏القمر‏}‏ وإن كان للشمس حساب آخر وهو حساب الفصول‏.‏ وقد تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر حسبانا‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 96‏]‏‏.‏

فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر، ومن معرفة الأشهر تعرف السنة‏.‏ وفي ذلك رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة‏.‏ وفي هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏ما خلق الله ذلك إلا بالحق‏}‏ مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وذكر حكمة بعض ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم، كما قال تعالى في هذه السورة ‏[‏7‏]‏ ‏{‏والذين هم عن آياتنا غافلون‏.‏‏}‏ والباء للملابسة‏.‏ و‏(‏الحق‏)‏ هنا مقابل للباطل‏.‏

فهو بمعنى الحكمة والفائدة، لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك الحق يطلق على مقابل ذلك‏.‏ وفي هذا رد على المشركين الذين لم يَهتدوا لما في ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس آلهتَهم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين مَا خلقناهما إلا بالحق ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 38 39‏]‏‏.‏

ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة ‏{‏نُفصّل الآيات لقوم يعلمون‏}‏، فهذه الجملة مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة، ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان‏.‏ ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله‏:‏ ‏{‏ما خلق الله ذلك إلا بالحق‏}‏‏.‏ فعلى قراءة نفصل بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ففي ضمير صاحب الحال التفات، وعلى قراءة ‏{‏يفصل‏}‏ بالتحتية وهي لابن كثير في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر‏.‏

والتفصيل‏:‏ التبيين، لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 55‏]‏‏.‏ والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار‏.‏

وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون، أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به المضارع من تجدد العِلم، وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودَأبه، فإن العلماء أهل العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين‏.‏

وذكر لفظ ‏(‏قوم‏)‏ إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم، فكان من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يعقلون‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏ وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ولا ممن رسخ فيهم العلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير‏.‏ وهو استدلال بأحوال الضوء والظلمة وتعاقب الليل والنهار وفي ذلك عبرة عظيمة‏.‏ وهو بما فيه من عطف قوله‏:‏ ‏{‏وما خلق الله في السماوات والأرض‏}‏ أعم من الدليل الأول لشموله ما هو أكثر من خلق الشمس والقمر ومن خلق الليل والنهار ومن كل ما في الأرض والسماء مما تبلغ إليه معرفة الناس في مختلف العصور وعلى تفاوت مقادير الاستدلال من عقولهم‏.‏

وتأكيد هذا الاستدلال بحرف ‏{‏إنَّ‏}‏ لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم يهتدوا بتلك الدلائل إلى التوحيد منزلة من ينكر أن في ذلك آيات على الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم‏.‏

وتقدم القول في شبيهة هذه الآية وهو قوله‏:‏ ‏{‏إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر‏}‏ الآية في سورة البقرة ‏(‏164‏)‏ وفي خواتم سورة آل عمران‏.‏

وشمل قوله‏:‏ ‏{‏وما خلق الله‏}‏ الأجسام والأحوال كلها‏.‏

وجعلت الآيات هنا لقوم يتقون وفي آية البقرة ‏(‏164‏)‏ ‏{‏لقوم يعقلون‏}‏ وفي آية آل عمران ‏(‏190‏)‏ لأولي الألباب لأن السياق هنا تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بالآيات ليعلموا أن بعدهم عن التقوى هو سبب حرمَانهم من الانتفاع بالآيات، وأن نفعها حاصل للذين يتقون، أي يحذرون الضلال‏.‏ فالمتقون هم المتصفون باتقاء ما يوقع في الخسران فيبعثهم على تطلب أسباب النجاح فيتوجه الفكر إلى النظر والاسْتدلال بالدلائل‏.‏ وقد مر تعليل ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُدى للمتقين‏}‏ في أول البقرة ‏(‏2‏)‏ على أنه قد سبق قوله في الآية قبلها ‏{‏نفصل الآيات لقوم يعلمون‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 5‏]‏، وأما آية البقرة وآية آل عمران فهما واردتان في سياق شامل للناس على السواء‏.‏ وذكر لفظ ‏(‏قوم‏)‏ تقدم في الآية قبل هذه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 8‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ‏(‏7‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

هذا استئناف وعيد للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعاً بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارة إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم سادرون في غُلوائهم حتى يلاقوا العذاب‏.‏ وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتَّى الوعيد لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم وَالمصيرَ إليه‏.‏

ولوقوع هذه الجملة موقع الوعيد الصالح لأن يعلمه الناس كلهم مؤمنهم وكافرهم عدل فيها عن طريقة الخطاب بالضمير إلى طريقة الإظهار، وجيء بالموصولية للإيماء إلى أن الصلة علة في حُصول الخبر‏.‏

وقد جُعل عنوان الذين لا يرجون لقاءنا علامة عليهم فقد تكرر وقوعه في القرآن‏.‏ ومن المواقع ما لا يستقيم فيه اعتبار الموصولية إلا للاشتهار بالصلة كما سنذكر عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا‏}‏ في هذه السورة ‏[‏15‏]‏‏.‏

والرجاء‏:‏ ظن وقوع الشيء من غير تقييد كون المظنون محبوباً وإن كان ذلك كثيراً في كلامهم لكنه ليس بمتعيّن‏.‏ فمعنى‏:‏ ‏{‏لا يرجون لقاءنا‏}‏ لا يظنونه ولا يتوقعونه‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏رضوا بالحياة الدنيا‏}‏ أنهم لم يعملوا النظر في حياة أخرى أرقى وأبقى لأن الرضا بالحياة الدنيا والاقتناع بأنها كافية يصرف النظر عن أدلة الحياة الآخرة، وأهل الهدى يرون الحياة الدنيا حياةً ناقصة فيشعرون بتطلب حياة تكون أصفى من أكدارها فلا يلبثون أن تطلع لهم أدلة وجودها، وناهيك بإخبار الصادق بها ونصب الأدلة على تعيّن حصولها، فلهذا جعل الرضى بالحياة الدنيا مذمة ومُلقياً في مهواة الخسران‏.‏

وفي الآية إشارة إلى أن البهجة بالحياة الدنيا والرضى بها يكون مقدارُ التوغل فيهما بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة الآخرة‏.‏ وليس ذلك بمقتض الإعراض عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده بنعم كثيرة فيها وجب الاعتراف بفضله بها وشكره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى هي مراتب حياة أخرى والتزود لها‏.‏ وفي ذلك مقامات ودرجات بمقدار ما تهيأت له النفوس العالية من لذات الكمالات الروحية، وأعلاها مقام قول النبي صلى الله عليه وسلم «فقلتُ ما لي وللدنيا» والاطمئنان‏:‏ السكون يكون في الجسد وفي النفس وهو الأكثر، قال تعالى‏:‏ ‏{‏يأيتها النفس المطئنة‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 27‏]‏‏.‏ وقد تقدم تصريف هذا الفعل عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن ليطمئن قلبي‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏‏.‏

ومعنى اطمئنوا بها‏}‏ سكنت أنفسهم وصرفوا هممهم في تحصيل منافعها ولم يسعوا لتحصيل ما ينفع في الحياة الآخرة، لأن السكون عند الشيء يقتضي عدم التحرك لغيره‏.‏

وعن قتادة‏:‏ إذا شئت رأيت هذا الموصوفَ صاحب دنيا، لها يرضى، ولها يغضب، ولها يفرح، ولها يهتم ويحزن‏.‏

والذين هم غافلون هم عين الذين لا يرجون اللقاء، ولكن أعيد الموصول للاهتمام بالصلة والإيماء إلى أنها وحدها كافية في استحقاق ما سيذكر بعدها من الخبر‏.‏ وإنما لم يعد الموصول في قوله‏:‏ ‏{‏ورضوا بالحياة الدنيا‏}‏ لأن الرضى بالحياة الدنيا من تكملة معنى الصلة التي في قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏‏.‏

والمراد بالغفلة‏:‏ إهمال النظر في الآيات أصلاً، بقرينة المقام والسياق وبما تومئ إليه الصلة بالجملة الاسمية ‏{‏هم عن آياتنا غافلون‏}‏ الدالة على الدوام، وبتقديم المجرور في قوله ‏{‏عن آياتنا غافلون‏}‏ من كون غفلتهم غفلة عن آيات الله خاصة دون غيرها من الأشياء فليسوا من أهل الغفلة عنها مما يدل مجموعه على أن غفلتهم عن آيات الله دأب لهم وسجية، وأنهم يعتمدونها فتؤول إلى معنى الإعراض عن آيات الله وإباء النظر فيها عناداً ومكابرة‏.‏ وليس المراد مَن تعرِض له الغفلة عن بعض الآيات في بعض الأوقات‏.‏

وأعقب ذلك باسم الإشارة لزيادة إحضاء صفاتهم في أذهان السامعين، ولما يؤذن به مجيء اسم الإشارة مبتدأ عقب أوصاف من التنبيه على أن المشار إليه جدير بالخبر من أجْل تلك الأوصاف كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك على هدى من ربهم‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 5‏]‏‏.‏

والمأوى‏:‏ اسم مكان الإيواء، أي الرجوع إلى مصيرهم ومرجعهم‏.‏

والباء للسببية‏.‏ والإتيان ب ‏(‏ما‏)‏ الموصولة في قوله‏:‏ بما كسبوا‏}‏ للإيماء إلى علة الحكم، أي أن مكسوبهم سَبب في مصيرهم إلى النار، فأفاد تأكيد السببية المفادة بالباء‏.‏

والإتيان ب ‏(‏كان‏)‏ للدلالة على أن هذا المكسوب ديدنهم‏.‏

والإتيان بالمضارع للدلالة على التكرير، فيكون ديدنهم تكرير ذلك الذي كسبوه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏9‏)‏ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

جاءت هذه الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتكون أحوال المؤمنين مستقلة بالذكر غير تابعة في اللفظ لأحوال الكافرين، وهذا من طرق الاهتمام بالخبر‏.‏ ومناسبة ذكرها مقابلة أحوال الذين يكذبون بلقاء الله بأضدادها تنويهاً بأهلها وإغاضة للكافرين‏.‏

وتعريف المسند إليه بالموصولية هنا دون اللام للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر وهي أن إيمانهم وعملهم هو سبب حصول مضمون الخبر لهم‏.‏

والهداية‏:‏ الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه‏.‏ فمعنى ‏{‏يهديهم ربهم‏}‏ يرشدهم إلى ما فيه خيرهم‏.‏ والمقصود الإرشاد التكويني، أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار منها‏.‏ وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين‏.‏

والباء في ‏{‏بإيمانهم‏}‏ للسببية، بحيث إن الإيمان يكون سبباً في مضمون الخبر وهو الهداية فتكون الباء لتأكيد السببية المستفادة من التعريف بالموصولية نظير قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا إلى بما كانوا يكسبون‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 7، 8‏]‏ في تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى، بأن يجعل الله للإيمان نُوراً يوضع في عقل المؤمن ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سبباً مغناطيسياً لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكماللِ لا يزال يزداد يوماً فيوماً، ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح‏.‏ وفي الحديث‏:‏ «قد يكون في الأمم محدَّثون فإن يك في أمتي أحدٌ فعمر بن الخطاب» قال ابن وهب‏:‏ تفسير محدَّثون ملهمون الصواب، وفي الحديث‏:‏ «اتقوا فراسة المؤمن فإنه يَنظر بنور الله» ولأجل هذا النور كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً لأنهم لما تلقوا الإيمان عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت أنواره السارية في نفوسهم أقوى وأوسع‏.‏

وفي العدول عن اسم الجلالة العَلَم إلى وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ تنويه بشأن المؤمنين وشأن هدايتهم بأنها جعل مولًى لأوليائه فشأنها أن تكون عطية كاملة مشوبة برحمة وكرامة‏.‏

والإتيان بالمضارع للدلالة على أن هذه الهداية لا تزال متكررة متجددة‏.‏ وفي هذه الجملة ذكر تهيؤ نفوسهم في الدنيا لعُروج مراتب الكمال‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم‏}‏ خبر ثان لِذكر ما يحصل لهم من النعيم في الآخرة بسبب هدايتهم الحاصلة لهم في الدنيا‏.‏ وتقدم القول في نظير ‏{‏تجري من تحتها الأنهار‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 25‏]‏‏.‏ والمراد من تحت منازلهم‏.‏ والجنات تقدم‏.‏ والنعيم تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لهم فيها نعيم مقيم‏}‏ في سورة ‏[‏براءة‏:‏ 21‏]‏‏.‏

وجملة‏:‏ دعواهم فيها سبحانك اللهم‏}‏ وما عطف عليها أحوال من ضمير ‏{‏الذين آمنوا‏}‏‏.‏

والدعوى‏:‏ هنا الدعاء‏.‏ يقال‏:‏ دعوة بالهاء، ودعوَى بألف التأنيث‏.‏

وسبحان‏:‏ مصدر بمعنى التسبيح، أي التنزيه‏.‏

وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا سبحانك لا علم لنا‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 32‏]‏‏.‏

‏{‏اللهم‏}‏ نداء لله تعالى، فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه، فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي‏.‏ ويجوز أن تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة الرحمات والنعيم، كما قال أمية بن أبي الصلت‏:‏

إذَا أثنى عليك المرءُ يوماً *** كَفَاه عن تَعَرضِه الثناء

واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏ يشعر بأنهم لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول، لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر بالقصر، ‏(‏وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام‏)‏ ولكن قوله‏:‏ ‏{‏وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين‏}‏ يفيد أن هذا التحميد من دعواهم، فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى‏.‏

ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعَموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه، فهو جامع للعبارة عن الكمالات‏.‏

والتحية‏:‏ اسم جنس لما يُفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة‏.‏ وأصلها مشتقة من مصدر حيَّاهُ إذا قال له عند اللقاء أحياك الله‏.‏ ثم غلبت في كل لفظ يقال عند اللقاء، كما غلب لفظ السلام، فيشمل‏:‏ نحو حيَّاك الله، وعِم صباحاً، وعِمْ مساء وصبّحك الله بخير، وبتّ بخير‏.‏ وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها‏}‏ في سورة ‏[‏النساء‏:‏ 86‏]‏‏.‏

ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام، أي لفظ سلام، إخباراً عن الجنس بفرد من أفراده، أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم‏.‏

والظاهر أن التحية بينهم هي كلمة ‏(‏سلام‏)‏، وأنها محكية هنا بلفظها دون لفظ السلام عليكم أو سلام عليكم، لأنه لو أريد ذلك لقيل وتحيتهم فيها السلام بالتعريف ليتبادر من التعريف أنه السلام المعروف في الإسلام، وهو كلمة السلام عليكم‏.‏ وكذلك سلام الله عليهم بهذا اللفظ قال تعالى‏:‏ ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 58‏]‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 23، 24‏]‏ فهو تلطف معهم بتحيتهم التي جاءهم بها الإسلام‏.‏

ونكتة حذف كلمة ‏(‏عليكم‏)‏ في سلام أهل الجنة بعضهم على بعض أن التحيّة بينهم مجرد إيناس وتكرمة فكانت أشبه بالخبر والشكر منها بالدعاء والتأمين كأنهم يغتبطون بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنة فتنطلق ألسنتهم عند اللقاء معبرة عما في ضمائرهم، بخلاف تحيّة أهل الدنيا فإنها تقع كثيراً بين المتلاقين الذين لا يعرِف بعضهم بعضاً فكانت فيها بقية من المعنى الذي أحدَث البشر لأجله السلامَ، وهو معنى تأمين الملاقِي من الشر المتوقَّع من بين كثير من المتناكرين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

مجيء حرف العطف في صدر هذه الآية يقتضي في علم البلاغة خصوصية لعطفها على ما قبلها ومزيد اتصالها بما قبلها فتعين إيضاح مناسبة موقعها‏.‏ والظاهر أن المشركين كانوا من غرورهم يحسبون تصرفات الله كتصرفات الناس من الاندفاع إلى الانتقام عند الغضب اندفاعاً سريعاً، ويحسبون الرسل مبعوثين لإظهار الخوارق ونكاية المعارضين لهم، ويسوون بينهم وبين المشعوذين والمتحدّين بالبطولة والعجائب، فكانوا لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وركبوا رؤوسهم ولم تصبهم بأثر ذلك مصائب من عذاب شامل أو موتان عام ازدادوا غروراً بباطلهم وإحالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلاً من قبل الله تعالى‏.‏ وقد دلت آيات كثيرة من القرآن على هذا كقوله‏:‏ ‏{‏وإذْ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يستعجلونك بالعذاب‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 47‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فإن للذين ظلموا ذَنوباً مثلَ ذَنوب أصحابهم فلا يستعجلون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 59‏]‏ وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وفي سورة الأنفال‏.‏

وكان المؤمنون ربما تمنوا نزول العذاب بالمشركين واستبطأوا مجيء النصر للنبيء عليه الصلاة والسلام وأصحابه كما جاء في الحديث‏:‏ أنَّ المسلمين قالوا‏:‏ ألا تستنصر‏.‏ وربما عجب بعضهم من أن يرزق الله المشركين وهم يكفُرون به‏.‏ فلما جاءت آيات هذه السورة بقوارع التهديد للمشركين أعقبت بما يزيل شبهاتهم ويطمئن نفوس المؤمنين بما يجمَعه قوله‏:‏ ‏{‏ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليْهم أجلهم‏}‏‏.‏

وهو إجمال ينبئ بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجال أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المُفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرة، والشرور العارضة نادرة ومعظمها مسبب عن أسباب مجعولة في نظام الكون وتصرفات أهله، ومنها ما يأتي على خلاف العادة عند محل آجاله التي قدرها الله تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏لكل أمة أجل‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 49‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لكل أجل كتاب‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 38‏]‏‏.‏

فهذه الجملة معطوفة على جملة ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 7‏]‏ الآية، فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون‏.‏ والقرينة على اتصال هذه الجملة بجملة ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 7‏]‏ قولُه في آخر هذه ‏{‏فنذَر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون‏}‏‏.‏

فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمراً على عباده غير منقطع عنهم لأنه أقام عليه نظام العالم إذْ أراد ثَبات بنائِه، وأنه لم يقدّر توازيَ الشر في هذا العالم بالخير لطفاً منه ورفقاً، فالله لطيف بعباده، وفي ذلك منة عظيمة عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عُجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم‏.‏

والناس‏:‏ اسم عام لجميع الناس، ولكن لما كان الكلام على إبطال شبهة المشركين وكانوا المستحقين للشرّ كانوا أولَ من يتبادر من عموم الناس، كما زاده تصريحاً قوله‏:‏ ‏{‏فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون‏}‏‏.‏

وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع، فذُكر في جانب الشر ‏{‏يُعَجل‏}‏ الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه، وعبر عن تعجيل الله الخيرَ لهم بلفظ ‏{‏استعجالهم‏}‏ الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زياد السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا، وهو نحو قولهم‏:‏ استأخر واستقدم واستجلَب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستغشوا ثيابهم‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ومعناه‏:‏ تعجّلهم الخيرَ، كما حمله عليه في «الكشاف» للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدُنه‏.‏

فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل، بل هو بمعنى التعجل الكثير، كما في قول سُلْمِيّ بن رَبيعة‏:‏

وإذا العذارَى بالدخان تقنَّعت *** واستعجلتْ نصب القدور فملت

أي تعجلت‏)‏، وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول، كما في البيت وكما في الحديث ‏"‏ فاستعجلَ الموتَ ‏"‏‏.‏

وانتصب ‏{‏استعجالهم‏}‏ على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه، والعامل فيه ‏{‏يُعجل‏}‏‏.‏

والمعنى‏:‏ ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيراً، فقوله‏:‏ ‏{‏استعجالهم‏}‏ مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله‏:‏ ‏{‏ولو يعجل الله‏}‏‏.‏

والباء في قوله‏:‏ ‏{‏بالخير‏}‏ لتأكيد اللصوق، كالتي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وامسحوا برؤوسكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏‏.‏ وأصله‏:‏ استعجالهم الخير، فدلَّت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين‏.‏ وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة‏.‏ وسيجيء في النحل‏.‏

وقد جعل جواب ‏(‏لو‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏لقضي إليهم أجلهم‏}‏، وشأن جواب ‏(‏لو‏)‏ أن يكون في حيز الامتناع، أي وذلك ممتنع لأن الله قدَّر لآجال انقراضهم ميقاتاً معيَّناً ‏{‏ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 5‏]‏‏.‏

والقضاء‏:‏ التقدير‏.‏

والأجل‏:‏ المدة المعينة لبقاء قوم‏.‏ والمعنى‏:‏ لقضي إليهم حلول أجلهم‏.‏ ولما ضمن ‏(‏قضي‏)‏ معنى بَلَغ ووصل عدي ب ‏(‏إلى‏)‏‏.‏ فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها، ولا يلتفت إلى غيره في فهمها‏.‏ وهذا المعنى مثل معنى ‏{‏قُل لو أن عندي ما تستعجلون به لقُضي الأمر بيني وبينكم‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 58‏]‏‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏فنذر الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ الخ مفرعة على جملة ‏{‏ولو يعجل الله للناس‏}‏ إلى آخرها‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لقضي‏}‏ بالبناء للنائب ورفععِ ‏{‏أجلهم‏}‏ على أنه نائب الفاعل‏.‏ وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب ‏{‏أجلهم‏}‏ على أن في ‏(‏قضي‏)‏ ضميراً عائداً إلى اسم الجلالة في قوله‏:‏ ‏{‏ولو يجعل الله للناس الشر‏}‏ الخ‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏فنذر الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ مفرعة على جملة ‏(‏لو‏)‏ وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم، أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون، أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم، أي فرطِ تكبرهم وتعاظمهم‏.‏

والعمه‏:‏ عدم البصر‏.‏ وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحْض، وأما النفي المستفاد من ‏(‏لو‏)‏ فحاصل بالتضمن، ولأن شأن جواب النفي أن يكون مسبباً على المنفي لا على النفي، والتفريع هنا على مستفاد من النفي‏.‏ وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يُسبب أن يترك الكافرين يعمهون، وبذلك تعرف أن قوله‏:‏ ‏{‏فنذر‏}‏ ليس معطوفاً على كلام مقدر وإنما التقديرُ تقدير معنى لا تقدير إعراب، أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجاً لهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏في طغيانهم يعمهون‏}‏ تقدم نظيره في قوله‏:‏ ‏{‏ويمدهم في طغيانهم يعمهون‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 15‏]‏‏.‏ والطغيان‏:‏ الكفر‏.‏

والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث، ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏ولو يعجل الله للناس الشر‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 11‏]‏ الآية، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعاً لحالهم وتحذيراً من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة ‏{‏كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون‏}‏‏.‏ فلما بُين في الآية السابقة وجه تأخير عذاببِ الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بُين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يُكشف الضر عنهم‏.‏

فالإنسان مراد به الجنس، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي الإنسان الكافر، لأن جمهور الناس حينئذٍ كافرون، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعْدُون بضعة وسبعين رجلاً مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم‏.‏ وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقول الإنسان أئذا ما مِت لسَوف أخرج حيا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 66‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك‏}‏ ‏[‏الانفطار‏:‏ 6، 7‏]‏‏.‏ ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلٌّ من غفلته‏.‏

وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى ‏(‏الناس‏)‏ من قوله‏:‏ ‏{‏ولو يجعل الله للناس الشر‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 11‏]‏ لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة الله عليهم إذ جعلهم، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض‏.‏ ومن المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، واسمه مُهَشِّم، وكان مشركاً، وكان أصابه مرض‏.‏ والضر تقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وإن يمسسك الله بضر‏}‏ في سورة ‏{‏الأنعام‏:‏ 17‏]‏‏.‏

والدعاء‏:‏ هنا الطلب والسؤال بتضرع‏.‏

واللام في قوله‏:‏ لجنبه‏}‏ بمعنى ‏(‏على‏)‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يخرون لِلأذقان‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 109‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وتلَّه للجبين‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 103‏]‏‏.‏ ألا ترى أنه جاء في موضع اللام حرف ‏(‏على‏)‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 103‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 190‏]‏ ونحوه قول جابر بن جني التغلبي‏:‏

تناولَه بالرمح ثم انثنى به *** فخَرَّ صريعاً لليدين وللفم

أي على اليدين وعلى الفم، وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني اللام، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه‏.‏

وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ومتصل به فبالأولى غيره‏.‏ وهذا الاستعمال منظور إليه في بيت جابر والآيتين الأخريين كما يظهر بالتأمل، فهذا وجه الفرق بين الاستعمالين‏.‏

وموضع المجرور في موضع الحال، ولذلك عطف ‏{‏أو قاعداً أو قائماً‏}‏ بالنصب‏.‏ وإنما جعل الجنب مجروراً باللام ولم ينصب فيقال مثلاً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين وبيت جابر أظهر في تمثيل الحالة بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابَسَةً للدعاء، وهي حالة تطلب الراحة وملازمة السكون‏.‏

ولذلك ابتدئ بذكر الجنب، وأما زيادة قوله‏:‏ ‏{‏أو قاعداً أو قائماً‏}‏ فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة تمثيل الأحوال، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء‏.‏

والجنب‏:‏ واحد الجنوب‏.‏ وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏فتكوى بها جباههم وجنوبهم‏}‏ في سورة ‏[‏براءة‏:‏ 35‏]‏‏.‏

والقعود‏:‏ الجلوس‏.‏

والقيام‏:‏ الانتصاب‏.‏ وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا أظلم عليهم قاموا‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 20‏]‏‏.‏

و ‏(‏إذا‏)‏ هٌّا لمجرد الظرفية وتوقيتتِ جوابها بشرطها، وليست للاستقبال كما هو غالب أحوالها لأن المقصود هنا حكاية حال المشركين في دعائهم الله عند الاضطرار وإعراضهم عنه إلى عبادة آلهتهم عند الرخاء، بقرينة قوله‏:‏ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون‏}‏ إذ جعلها حالاً للمسرفين‏.‏ وإذ عبر عن عملهم بلفظ ‏{‏كانوا‏}‏ الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم، ولذلك جيء في شرطها وجوابها وما عطف عليهما بأفعال المضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخلُ في تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة‏.‏

ولهذا فرع عليه جملة‏:‏ ‏{‏فلما كشفنا عنه ضره مرَّ‏}‏ لأن هذا التفريع هو المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما يعقبها‏.‏

والكشف‏:‏ حقيقته إظهار شيء عليه ساتر أو غطاء‏.‏ وشاع إطلاقه على مطلق الإزالة‏.‏ إما على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق، وإما على طريقة الاستعارة بتشبيه المزال بشيء ساتر لشيء‏.‏

والمرور‏:‏ هنا مجازي بمعنى استبدال حالة بغيرها‏.‏ شُبه الاستبدال بالانتقال من مكان إلى آخر لأن الانتقال استبدال، أي انتقل إلى حال كحَال من لم يسبق له دعاؤُنا، أي نسي حالة اضطراره واحتياجه إلينا فصار كأنه لم يقع في ذلك الاحتياج‏.‏

و ‏(‏كأنْ‏)‏ مخففة كأنَّ، واسمها ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب‏.‏ وعدي الدعاء بحرف ‏(‏إلى‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إلى ضر‏}‏ دون اللام كما هو الغالب في نحو قوله‏:‏

دعوت لما نابني مسورا ***

على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجئ الذي يدعو إلى من فاجأه ناصراً إلى دفعه‏.‏ وجَعْل ‏(‏إلى‏)‏ بمعنى اللام بُعد عن بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون‏}‏ تذييل يعم ما تقدم وغيره، أي هكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم‏.‏

وتقدم القول في معنى مَوقع ‏(‏كذلك‏)‏ في أمثال هذه الآية عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ وقوله‏:‏

‏{‏كذلك زينا لكل أمة عملهم‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 108‏]‏، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا وهو تزيين إعراضهم عن دعاء الله في حالة الرخاء، أي مثلَ هذا التزيين العجيب زين لكل مُسرف عمله‏.‏

والإسراف‏:‏ الإفراط والإكثار في شيء غير محمود‏.‏ فالمراد بالمسرفين هنا الكافرون‏.‏ واختير لفظ المسرفين‏}‏ لدلالته على مبالغتهم في كفرهم، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم‏.‏

وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غيرَ مرة، أو لأن معرفة المزين لهم غيرُ مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحساناً شنيطاً‏.‏

والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دُربة تُحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها كما قيل‏:‏

يقضى على المرء في أيام محنته

حتى يَرى حسناً ما ليس بالحسن

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

عاد الخطاب إلى المشركين عودا على بدئه في قوله‏:‏ ‏{‏إن ربكم الله إلى قوله لتعلموا عدد السنين والحساب‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 3 5‏]‏ بمناسبة التماثل بينهم وبين الأمم قبلهم في الغرور بتأخير العذاب عنهم حتى حل بهم الهلاك فجأة‏.‏ وهذه الآية تهديد وموعظة بما حل بأمثالهم‏.‏

والجملة معطوفة على جملة‏:‏ ‏{‏ولو يعجل الله للناس الشر‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 11‏]‏ بما تضمنته من الإنذار بأن الشر قد ينزل بهم ولكن عذاب الله غير معجل، فضرب لهم مثلاً بما نزل بالأمم من قبلهم فقضَى إليهم بالعذاب أجلُهم وقد كانوا يعرفون أمما منهم أصابهم الاستيصال مثل عاد وثمود وقوم نوح‏.‏

ولتوكيد التهديد والوعيد أكدت الجملة بلام القسم وقد التي للتحْقيق‏.‏

والإهلاك‏:‏ الاستيصال والإفناء‏.‏

والقرون‏:‏ جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان، والمراد به هنا أهل القرون‏.‏ وتقدم بيانه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 6‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ من قبلكم‏}‏ حال من القرون‏.‏

و ‏{‏لمّا‏}‏ اسم زمان بمعنى حين على التحقيق، وتضاف إلى الجملة‏.‏

والعرب أكثروا في كلامهم تقديم ‏(‏لما‏)‏ في صدر جملتها فأشِمَّت بذلك التقديم رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملةَ الشرط، ولأن عاملها فعل مُضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروفَ الشرط‏.‏

والمعنى‏:‏ أهلكناهم حينما ظلموا، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل هود وصالح ولم يؤمنوا‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏وجاءتهم‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏ظلموا‏}‏‏.‏

والبينات‏:‏ جمع بينة، وهي الحجة على الصدق، وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد جاءكم بينة من ربكم‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 157‏]‏‏.‏

وجملة‏:‏ وما كانوا ليؤمنوا‏}‏ معطوفة عليها‏.‏ ومجموع الجمل الثلاث هو ما وُقِّت به الإهلاك ‏{‏وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 59‏]‏‏.‏

وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى اليأس من إيمانهم‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏كذلك نجزي القوم المجرمين‏}‏ تذييل‏.‏ والتعريف في ‏{‏القوم المجرمين‏}‏ للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين، وبذلك كان إنذاراً لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك‏.‏ والمُراد بالإجرام أقصاه، وهو الشرك‏.‏

والقول في ‏{‏كذلك نجزي القوم المجرمين‏}‏ كالقول في نظيره آنفاً‏.‏ وكذلك ذكر لفظ ‏(‏القوم‏)‏ فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏أهلكنا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 13‏]‏ وحرف ‏(‏ثم‏)‏ مؤذن ببعد ما بين الزمنين، أي ثم جعلناكم تخلفونهم في الأرض‏.‏ وكون حرف ‏(‏ثم‏)‏ هنا عاطفاً جملة على جملة تقتضي التراخي الرتبي لأن جعلهم خلائف أهم من إهلاك القرون قبلهم لما فيه من المنة عليهم، ولأنه عوضهم بهم‏.‏

والخلائف‏:‏ جمع خليفة‏.‏ وتقدم في قوله‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعلكم خلائف الأرض‏}‏ في سورة ‏[‏الأنعام‏:‏ 165‏]‏‏.‏ والمراد بالأرض‏}‏ بلاد العرب، فالتعريف فيه للعهد؛ لأن المخاطبين خلفوا عاداً وثموداً وطسماً وجديساً وجُرهماً في منازلهم على الجملة‏.‏

والنظر‏:‏ مستعمل في العلم المحقق، لأن النظر أقوى طرق المعرفة، فمعنى ‏{‏لننظر‏}‏ لنتعلم، أي لنعلم علماً متعلقاً بأعمالكم‏.‏ فالمراد بالعلم تعلقه التنجيزي‏.‏

و ‏{‏كيف‏}‏ اسم استفهام معلق لفعل العلم عن العمل، وهو منصوب ب ‏{‏ننظر‏}‏، والمعنى في مثله‏:‏ لنعلم جواب كيف تعملون، قال إياس بن قبيصة‏:‏

وأقبلت والخطى يخطر بيننا *** لا علم مَن جبانها من شجاعها

أي ‏(‏لا علم‏)‏ جَواب مَن ‏(‏جبانها‏)‏‏.‏

وإنما جعل استخلافهم في الأرض علة لعلم الله بأعمالهم كناية عن ظهور أعمالهم في الواقع إن كانت مما يرضي الله أو ممَّا لا يرضيه فإذا ظهرت أعمالهم علمها الله علم الأشياء النافعة وإن كان يعلم أن ذلك سيقع علماً أزلياً، كما أن بيت إياس بن قبيصة معناه ليَظهر الجبانُ من الشجاع‏.‏ وليس المقصود بتعليل الإقْدام حصول علمه بالجبان والشجاع ولكنه كنّى بذلك عن ظهور الجبان والشجاع‏.‏ وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء‏}‏ في سورة ‏[‏آل عمران‏:‏ 140‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏‏}‏

عطف على جملة‏:‏ ‏{‏ولو يعجل الله للناس الشر‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 11‏]‏ الخ لأن ذلك ناشئ عن قولهم‏:‏ ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ايتنا بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ كما تقدم فذلك أسلوب من أساليب التكذيب‏.‏ ثم حُكي في هذه الآية أسلوب آخر من أساليب تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون القرآن موحى إليه من الله تعالى فهم يتوهمون أن القرآن وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ولذلك جعلوا من تكذيبهم أن يقولوا له ‏{‏ايت بقرآننٍ غير هذا أو بَدّله‏}‏ إطماعاً له بأن يؤمنوا به مغايراً أو مبدَّلاً إذا وافق هواهم‏.‏

ومعنى ‏{‏غير هذا‏}‏ مخالفهُ‏.‏ والمراد المخالفة للقرآن كله بالإعراض عنه وابتداء كتاب آخر بأساليب أخرى، كمثل كتب قصص الفرس وملاحمهم إذ لا يحتمل كلامهم غير ذلك، إذ ليس مرادهم أن يأتي بسُورَ أخرى غير التي نزلتْ من قبل لأن ذلك حاصل، ولا غَرض لهم فيه إذا كان معناها من نوع ما سبقها‏.‏

ووصف الآيات ب ‏{‏بينات‏}‏ لزيادة التعجيب من طلبهم تبديلها لا بطلب تبديله إذ لا طمع في خير منه‏.‏

والتبديل‏:‏ التغيير‏.‏ وقد يكون في الذوات، كما تقول‏:‏ بدلت الدنانير دراهم‏.‏ ويكون في الأوصاف، كما تقول‏:‏ بدلت الحلقة خاتماً‏.‏ فلما ذكر الإتيان بغيره من قبل تعيَّن أن المراد بالتبديل المعنى الآخر وهو تبديل الوصف، فكان المراد بالغير في قولهم‏:‏ ‏{‏غير هذا‏}‏ كلاماً غير الذي جاء به من قبل لا يكون فيه ما يكرهونه ويغيظهم‏.‏ والمراد بالتبديل أن يعمد إلى القرآن الموجود فيغير الآيات المشتملة على عبارات ذم الشرك بمدحه، وعبارات ذم أصنامهم بالثناء عليها، وعبارات البعث والنشر بضدها، وعبارات الوعيد لهم بعبارات بشارة‏.‏

وسموا ما طلبوا الإتيان به قُرآناً لأنهُ عوض عن المسمى بالقرآن، فإن القرآن علَم على الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أي ائت بغير هذا مما تُسميه قرآناً‏.‏

والضمير في ‏{‏بدله‏}‏ عائد إلى اسم الإشارة، أي أو بدل هذا‏.‏ وأجمل المراد بالتبديل في الآية لأنه معلوم عند السامعين‏.‏

ثم إن قولهم يحتمل أن يكون جداً، ويحتمل أن يريدوا به الاستهزاء، وعلى الاحتمالين فقد أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بما يقلع شبهتهم من نفوسهم إن كانوا جادين، أو من نفوس من يسمعونهم من دهمائهم فيحسبوا كلامهم جِداً فيترقبوا تبديل القرآن‏.‏

وضمير الغيبة في قوله‏:‏ ‏{‏وإذا تتلى عليهم‏}‏ راجع إلى الناس المراد منهم المشركون أو راجع إلى ‏{‏الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 7‏]‏‏.‏

وتقديم الظرف في قوله‏:‏ ‏{‏إذا تتلى‏}‏ على عامله وهو ‏{‏قَال الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ للاهتمام بذكر ذلك الوقت الذي تتلى فيه الآيات عليهم فيقولون فيه هذا القول تعجيباً من كلامهم ووهن أحلامهم‏.‏

ولكون العامل في الظرف فعلاً ماضياً عُلم أن قولهم هذا واقع في الزمن الماضي، فكانت إضافة الظرف المتعلق به إلى جملة فعلها مضارع وهو ‏{‏تتلى‏}‏ دالة على أن ذلك المضارع لم يرد به الحال أو الاستقبال إذ لا يتصور أن يكون الماضي واقعاً في الحال أو الاستقبال فتعين أن اجْتلاب الفعل المضارع لمجرد الدلالة على التكرر والتجدد، أي ذلك قولهم كُلما تتلى عليهم الآيات‏.‏

وماصْدق ‏{‏الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ هو ما صدق الضمير في قوله‏:‏ ‏(‏عليهم‏)‏، فكان المقام للإضمار، فما كان الإظهار بالموصولية إلا لأن الذين لا يرجون لقاء الله اشتهر به المشركون فصارت هذه الصلة كالعلَم عليهم‏.‏ كما أشرنا إليه عند قوله آنفاً ‏{‏إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضُوا بالحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 7‏]‏، وليس بين الصلة وبين الخبر هنا علاقةُ تعليل فلا يكون الموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر‏.‏

ولما كان لاقتراحهم معنى صريح، وهو الإتيان بقرآن آخر أو تبديل آيات القرآن الموجودِ، ومعنى التزامي كنائي، وهو أنه غير منزل من عند الله وأن الذي جاء به غير مرسل من الله، كان الجواب عن قولهم جوابين، أحدهما‏:‏ ما لقنه الله بقوله‏:‏ ‏{‏قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي‏}‏ وهو جواب عن صريح اقتراحهم، وثانيهما‏:‏ ما لَقنه بقوله‏:‏ ‏{‏قُل لو شاء الله ما تلوته عليكم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 16‏]‏ وهو جواب عن لازم كلامهم‏.‏

وعن مجاهد تسمية أناس ممن قال هذه المقالة وهم خمسة‏:‏ عبد الله بن أمية، والوليدُ بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة الأصنام واللاتتِ والعزى ومناةَ وهُبل، وليس فيه عَيبها‏.‏

وقد جاء الجواب عن اقتراحهم كلاماً جامعاً قضاء لحق الإيجاز البديع، وتعويلاً على أن السؤال يبين المراد من الجواب، فأحسوا بامتناع تبديل القرآن من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا جواب كاف، لأن التبديل يشمل الإتيان بغيره وتبديل بعض تراكيبه‏.‏ على أنه إذا كان التبديل الذي هو تغيير كلمات منه وأغراض ممتنعاً كان إبطال جميعه والإتيان بغيره أجدر بالامتناع‏.‏

وقد جاء الجواب بأبلغ صيغ النفي وهو ‏{‏ما يكون لي أن أبدله‏}‏ أي ما يكون التبديل مِلكاً بيدي‏.‏

و ‏{‏تِلقاء‏}‏ صيغة مصدر على وزن التفعال‏.‏ وقياس وزن التفعال الشائع هو فتح التاء وقد شذ عن ذلك تلقاء، وتبيان، وتمثال، بمعنى اللقاء والبيان والمُثول فجاءت بكسر التاء لا رابع لها، ثم أطلق التلقاء على جهة التلاقي ثم أطلق على الجهة والمكان مطلقاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما توجه تلقاء مدين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 22‏]‏‏.‏ فمعنى ‏{‏من تلقاء نفسي‏}‏ من جهة نفسي‏.‏

وهذا المجرور في موضع الحال المؤكدة لجملة‏:‏ ‏{‏ما يكون لي أن أبدله‏}‏ وهي المسماة مؤكدة لغيرها إذ التبديل لا يكون إلا من فعل المبدل فليست تلك الحال للتقييد إذ لا يجوز فرض أن يبدَّل من تلقاء الله تعالى التبديلَ الذي يرومونه، فالمعنى أنه مبلغ لا متصرف‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إن أتبع إلا ما يوحى إلي‏}‏ تعليل لجملة‏:‏ ‏{‏ما يكون لي أن أبدله‏}‏ أي ما أتبع إلا الوحي وليس لي تصرف بتغيير‏.‏ و‏{‏ما‏}‏ مصدرية‏.‏ واتباع الوحي‏:‏ تبليغ الحاصل به، وهو الموصى به‏.‏ والاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي‏.‏

واقتضت ‏(‏إنْ‏)‏ النافية وأداةُ الاستثناء قصرَ تعلق الاتباع على ما أوحى الله وهو قصر إضافي، أي لا أبلغ إلا ما أوحي إلي دون أن يكون المتَّبَع شيئاً مخترعاً حتى أتصرف فيه بالتغيير والتبديل، وقرينة كونه إضافياً وقوعه جواباً لرد اقتراحهم‏.‏

فمن رام أن يحتج بهذا القصر على عدم جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم فقد خرج بالكلام عن مهيعه‏.‏

وجملة‏:‏ ‏{‏إني أخاف إن عصيت ربي‏}‏ الخ في موضع التعليل لجملة‏:‏ ‏{‏إن أتبع إلا ما يوحى إلي‏}‏ ولذلك فصلت عنها‏.‏ واقترنت بحرف ‏(‏إن‏)‏ للاهتمام، و‏(‏إنَّ‏)‏ تؤذن بالتعليل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إن عصيت ربي‏}‏، أي عصيته بالإتيان بقرآن آخر وتبديله من تلقاء نفسي‏.‏

ودل سياق الكلام على أن الإتيان بقرآن آخر غير هذا بمعنى إبطال هذا القرآن وتعويضه بغيره، وأن تبديله بمعنى تغيير معاني وحقائق ما اشتمل عليه ممتنع‏.‏

ولذلك لم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول هنا‏:‏ إلا ما شاء الله، أو نحو ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

هذا جواب عن لازم اقتراحهم وكنايتهِ عن رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب عن الله فيما ادعى من إرساله وإنزال القرآن عليه كما تقدم في الجواب قبله‏.‏ ولكونه جواباً مستقلاً عن معنى قصدوه من كلامهم جاء الأمر به مفصولاً عن الأول غير معطوف عليه تنبيهاً على استقلاله وأنه ليس بتكملة للجواب الأول‏.‏

وفي هذا الجواب استدلال على أنه مرسل من الله تعالى، وأنه لم يختلق القرآن من عنده بدليللٍ التفَّتْ في مطاويه أدلة، وقد نظم فيه الدليل بانتفاء نقيض المطلوب على إثبات المطلوب، إذ قوله‏:‏ ‏{‏لو شاء الله ما تلوته‏}‏ تقديره لو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ما تلوتُه‏.‏ فإن فعل المشيئة يكثر حذف مفعوله في جملة الشرط لدلالة الجزاء عليه، وإنما بني الاستدلال على عدم مشيئة الله نفي تلاوته لأن ذلك مدَّعى الكفار لزعمهم أنه ليس من عند الله، فكان الاستدلال إبطالاً لدعواهم ابتداء وإثباتاً لدعواه مآلا‏.‏ وهذا الجمع بين الأمرين من بديع الاستدلال، أي لو شاء الله أن لا آتيكم بهذا القرآن لما أرسلني به ولبقيت على الحالة التي كنت عليها من أول عمري‏.‏

والدليل الثاني مطوي هو مقتضى جواب ‏(‏لو‏)‏، فإن جواب ‏(‏لو‏)‏ يقتضي استدراكاً مطرداً في المعنى بأن يثبت نقيض الجواب، فقد يُستغنى عن ذكره وقد يذكر، كقول أبَي بن سُلْمِي بن ربيعة‏:‏

فلو طَار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنه لم يطر

فتقديره هنا‏:‏ لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم‏.‏ وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علمياً إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة، وبلاغياً إذ جاء كلاماً أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقاً على جميعهم ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثلَه أحد منهم‏.‏

ولذلك فُرعت على الاستدلال جملةُ‏:‏ ‏{‏فقد لبثت فيكم عُمراً من قبله أفلا تعقلون‏}‏ تذكيراً لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة، وهي أربعون سنة، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمةِ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحَى الله إليه بالرسالة، ولا بلاغة قول واشتهاراً بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالاً معتاداً وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك أطواراً وتدرجاً‏.‏ فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رَباني محض، وأن هذا الكلام موحًى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه‏.‏

فما كان هذا الكلام دليلاً على المشركين وإبطالاً لادعائهم إلا لَما بني على تلاوة القرآن فكان ذكر القرآن في الاستدلال هو مناطه، ثم لما فرع عليه جملة‏:‏ ‏{‏فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون‏}‏ إذ كان تذكيراً لهم بحاله قبل أن يتلو عليهم القرآن ولولا ذانك الأمران لعاد الاستدلال مصادرة، أي استدلالاً بعين الدعوى لأنهم ينهَض لهم أن يقولوا حينئذٍ‏:‏ ما أرسلك الله إلينا وقد شاء أن لا يرسلك إلينا ولكنك تقولت على الله ما لم يقله‏.‏

فهذا بيان انتظام هذا الدليل من هذه الآية‏.‏

وقد آل الدليل بهذا الوجه إلى الاستدلال عليهم بمعجزة القرآن والأمية‏.‏ ولكلمة ‏{‏تلوته‏}‏ هنا من الوقع ما ليس لغيرها لأنها تتضمن تالياً كلاماً، ومتلواً، وباعثاً بذلك المتلو‏.‏

فبالأول‏:‏ تشير إلى معجزة المقدرة على تلاوة الكتاب مع تحقق الأمية لأن أسلوب الكتب الدينية غير الأسلوب الذي عرفه العرب من شعرائهم وخطبائهم‏.‏

وبالثاني‏:‏ تشير إلى القرآن الذي هو معجزة دالة على صدق الآتي به لما فيه من الحقائق والإرشاد الديني الذي هو من شأن أنبياء الأديان وعلمائها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 48، 49‏]‏‏.‏

وبالثالث‏:‏ تشير إلى أنه كلام من عند الله تعالى، فانتظمت بهذا الاستدلال دلالة صدق النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته عن الله تعالى‏.‏

والتلاوة‏:‏ قراءة المكتوب أو استعراض المحفوظ، فهي مشعرة بإبلاغ كلام من غير المبلِّغ‏.‏ وقد تقدمت عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتَّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 102‏]‏، وعند قوله‏:‏ ‏{‏وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً‏}‏ في سورة ‏[‏الأنفال‏:‏ 2‏]‏‏.‏

و ‏{‏أدراكم‏}‏ عَرَّفكم‏.‏ وفعل الدراية إذا تعلق بذات يتعدى إليها بنفسه تارة وبالباء أيضاً، يقال‏:‏ دَريته ودريت به‏.‏ وقد جاء في هذه الآية على الاستعمال الثاني وهو الأكثر في حكاية سيبويه‏.‏

قرأ الجمهور ‏{‏ولا أدراكم به‏}‏ بحرف النفي عطفاً على ‏{‏ما تلوته عليكم‏}‏ أي لو شاء الله ما أمرني بتلاوة القرآن عليكم ولا أعلمكم الله به‏.‏ وقرأه البزي عن ابن كثير في إحدى روايتين عنه بلام ابتداء في موضع لا النافية، أي بدون ألِف بعد اللام فتكون عطفاً على جواب ‏(‏لو‏)‏ فتكون اللام لاماً زائدة للتوكيد كشأنها في جواب ‏(‏لو‏)‏‏.‏ والمعنى عليه‏:‏ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولو شاء لجعلكم تدرون معانيه فلا تكذِبوا‏.‏

وتفريع جملة‏:‏ ‏{‏فقد لبثت فيكم‏}‏ تفريع دليللِ الجملة الشرطية وملازمتها لطَرَفَيها‏.‏

والعُمُر‏:‏ الحياة‏.‏ اشتق من العُمران لأن مدة الحياة يَعْمُر بها الحي العالم الدنيوي‏.‏

ويطلق العُمر على المدة الطويلة التي لو عاش المرء مقدارها لكان قد أخذ حظه من البقاء‏.‏ وهذا هو المراد هنا بدليل تنكير ‏{‏عُمرا‏}‏ وليس المراد لبثت مدة عُمري، لأن عمره لم ينته بل المراد مدة قدْرها قدْر عُمُرٍ متعارَف، أي بقدر مدة عُمر أحد من الناس‏.‏ والمعنى لبثت فيكم أربعين سنة قبل نزول القرآن‏.‏

وانتصب ‏{‏عمراً‏}‏ على النيابة عن ظرف الزمان، لأنه أريد به مقدار من الزمان‏.‏

واللبث‏:‏ الإقامة في المكان مدة‏.‏ وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كم لبثتَ‏}‏ في سورة ‏[‏البقرة‏:‏ 259‏]‏‏.‏

والظرفية في قوله فيكم‏}‏ على معنى في جماعتكم، أي بيْنكم‏.‏

و ‏(‏قبل‏)‏ و‏(‏بعد‏)‏ إذا أضيفاً للذوات كان المراد بعض أحوال الذات مما يدل عليه المقام، أي من قبللِ نزوله‏.‏ وضمير ‏(‏قبله‏)‏ عائد إلى القرآن‏.‏

وتفريع جملة‏:‏ ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ على جملة الشرط وما تفرع عليها تفريع للإنكار والتعجب على نهوض الدليل عليهم، إذ قد ظهر من حالهم ما يجعلهم كمن لا يعقل‏.‏ ولذلك اختير لفظ ‏{‏تعقلون‏}‏ لأن العقل هو أول درجات الإدراك‏.‏ ومفعول ‏{‏تعقلون‏}‏ إما محذوف لدلالة الكلام السابق عليه‏.‏ والتقدير أفلا تعقلون أنَّ مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمناً طويلاً وعُمراً مديداً، فكيف تأتَّى ما هو أعظم من ذلك المعتادِ دَفعةً لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساءَ، وما عُرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عَكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس‏.‏

وإما أن ينزل ‏{‏تعقلون‏}‏ منزلة اللازم فلا يقدّر له مفعول، أي أفلا تكونون عاقلين، أي فتعرفوا أن مثل هذا الحال لا يكون إلا من وحي الله‏.‏